الشيخ محمد الصادقي الطهراني
64
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
فالآية تنبه المسلمين ان هذا الفيء الذي خلّفه بنو النضير وراءهم ، لم يركضوا هم عليه خيلًا ، ولم يسرعوا إليه ركباً ، فليس حكمه حكم سائر الغنائم التي لهم أربعة أخماسها والباقي لمن قررهم اللَّه ، إنما هو كله للرسول صلى الله عليه وآله يصرفه في وجوه وجهه اللَّه لها . وأحرى من قرية بني النضير فدك وهي انتقلت إلى فاطمة الصديقة إما نحلة أو لا أقل إرثاً . « مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَىْ لَايَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ » « 1 » . إن آية الفي هذه وآية الأنفال : « ويسألونك عن الأنفال قل الأنفال للَّهوالرسول » « 2 » تتجاوبان في ضابطة اقتصادية إسلامية حكومية : أن الأموال غير الخاصة ، والتي لم يعمل ولم يسع لها أحد ، بأي من صنوف الأعمال ، إنها أموالٌ عامة تختص برئيس الدولة الإسلامية يصرفها لصالح المسلمين ، دون أن تكون دولة بني الأغنياء منهم ، سواء في ذلك الأراضي والأموال التي ملكت بغير قتال ، والأراضي الموات والغابات ورؤوس الجبال وبطون الأودية والبحار والأنهار ، وميراث من لا وارث له وما شابه ذلك من الثروات العامة . « 3 » فالفيء - كما أسلفناه - الغنيمة التي لا يلحق فيها مشقة ، الراجعة إلى حالة محمودة ، من فاء : رجع محموداً محبوراً ، والنفل مقابل الفرض ، وهو هنا الزائد ، زوائد الأموال ، وهي التي لم تفرض للأشخاص ، إذ لم يفرضها أحد لنفسه بسعي خاص ، فالفيء : النفل ، لا يفيء ويرجع إلا إلى رئيس الدولة الإسلامية ليصرفه في المصالح العامة والخاصة كما أراه اللَّه ، وتقرِّره
--> ( 1 ) . 59 : 7 ( 2 ) . 8 : 1 ( 3 ) . وسائل الشيعة 6 : 365 ج 4 - الكافي باسناده عن العبد الصالح موسى بن جعفر عليه السلام في حديث : وله ( الإمام ) بعد الخمس الأنفال ، والأنفال كل أرض خربة باد أهلها وكل أرض لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب ولكن صالحوا صلحاً وأعطوا بأيديهم على غير قتال ، وله رؤوس الجبال وبطون الأودية والآجام وكل أرض ميتة لا رب لها ، ولا صوافي الملوك ما كان في أيديهم من غير وجه الغصب لأن الغصب كله مردود ، وهو وارث من لا وارث له ، يعول من لا حيلة له ، وان اللَّه لا يترك شيئاً من صنوف الأموال إلا وقد قسمه فأعطى كل ذي حق حقه ( إلى أن قال ) والأنفال للوالي ، كل أرض فتحت أيام النبي صلى الله عليه وآله إلى آخر الأبد ، وما كان افتتاحاً بدعوة أهل الجور وأهل العدل ، لأن ذمة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله في الأولين والآخرين ذمة واحدة ، لأن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله قال : المسلمون اخوة تتكافاً دماؤهم يسعى بذمتهم أدناهم